الحراك والتنقل لا يجب أن يعتبر حق مكتسب لدى الولادة فقط للنخبة

18 December 2017

"أنا مهاجر ولكن لم يكن علي أن أخاطر بحياتي على متن قارب يرشح بالمياه و لا أن دفع لمهربين. لا ينبغي أن تكون الهجرة الآمنة حكرا للنخبة العالمية. هذه هي كلمات أنطونيو غوتيريس، الأمين العام للأمم المتحدة، في سبتمبر 2017.

من خلال  هذه الموازاة ، يصف غوتيريس واحدة من التحديات الكبرى التي تواجه العالم اليوم. وبينما نعيش في عصر تنظر فيه نخبة متميزة إلى التنقل العالمي  كحق مكتسب تقريبا، يجد كثيرون آخرون أنفسهم حبيسي أوضاع اقتصادية صعبة أو نزاعات تحرمهم من نفس هذا الحق.

ولكن شيئا آخر قد تغير وأدرج هذا الواقع البديهي في عجلة الأنظمة السياسة العالمية بعواقب مأساوية في كثير من الأحيان.

فمنذ زمن ليس ببعيد، كان الاعتقاد السائد حول مفهوم "الوافد /المغادر" يعتبر أن فوائد النخبة لا تهم الفقراء، الذين يدركون بالكاد الفرص المتاحة لهم في عيش حياة أفضل خارج حدود بلادهم. هذا الزمن قد انقضى.

اليوم، ومع  أكثر من ملياري مستعمل في جميع أنحاء العالم، أصبح الهاتف الذكي  أداة توحيد بامتياز و أداة تغيير مستمر. ففي أقل من عقد من الزمان، سمحت الهواتف الذكية لكثير من المغادرين باكتساب معرفة معمقة للمعاملات المتخذة حتى الآن من قبل "النخبة". ولذلك فإننا نواجه واقعين متباينين ​​يتعايشان ويتصادمان على نفس الكوكب، مما يجعل سياسات العديد من البلدان، التي كانت ثابتة حتى الآن غير قابلة للتنبؤ وغير مستقرة.

فمن ناحية، تكفل حرية التنقل تقريبا  لأعداد مدهشة من مواطني العالم المميزين و الذين أصبح من الطبيعي أن يتحركوا بأمان وبحرية وبتكلفة منخفضة نسبيا منهم السياح والطلبة والزوار وكذلك العمال المهاجرين من بلدان الجنوب (أكثر من 2 مليون فلبيني ومليون سريلانكي، الخ) ورجال الأعمال الذين يواصلون تحريك عصر العولمة.

ما ننساه بسهولة في خطاب الهجرة هو أن المواطنين يواصلون التحرك بالملايين. يسافرون بأمان وبنظام، ويعبرون أجهزة أمنية نحو بوابة الصعود إلى الطائرة، و هم يتصفحون الفاسيبوك ليطلعوا على الأخبار أو الرسائل الفورية. ولكنهم أولا يسافرون بشكل قانوني ويحملون جوازات سفرهم (وتأشيراتهم).

قد يكمن جزء من الجواب في كوننا نتسرع في المرور على تحديات الادماج و الحكم على معاداة الرأي العام للهجرة كسلوك غير عقلاني أو أسوأ. كما يكمن في تجاهل السياسيين القيم التي تحدد سلوك الأفراد عند تعرضهم للخطر

وفي نفس الوقت، إذا نظرنا إلى الحركات الكبرى و المتواصلة للأفراد على أنها منظمة ومناسبة ومفيدة للجميع لدرجة أنها لا تدعو إلى التعليق، فإننا سنحتاج إلى معرفة كيفية التعامل مع الأغلبية المحرومة من التنقل بسبب ظروف عيشها.

إذ يجد مئات الملايين الذين ليسوا جزأ من سوق المواهب العالمي و المتنامي أنفسهم ينظرون من الخارج إلى عالم لا يمكنهم سوى أن يحلموا به فقط. ويواجهون مصاعب هائلة و فوارق في الدخل أمام غياب فرص الحصول على تأشيرة أو تصريح عمل.

من غير المفاجئ حينئذ أن أمواجا كبرى من المهاجرين الشباب يصعدون على متن "القوارب التي ترشح بالماء" التي أشار إليها الأمين العام حاملين آمالهم وأحلامهم. ومع افتقارهم إلى الفرص الاقتصادية المتفاقم غالبا بسبب تغير المناخ، فإنهم أيضا  أكثر عرضة لنداء عرائس البحر على وسائل التواصل الاجتماعي.

فهناهذه الأيام تقوم شبكات التهريب والمتجرين بالبشر ونخاو العصر الحديث بدعايتهم  في ظل الإفلات التام من العقاب. فتظل هذه الممارسات القاسية  دون رادع بينما يتجه عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي نحو الاسثمار في أسواق جديدة في الجنوب العالمي

هذا هو نوع الهجرة التي نراها في نشرات الأخبار، والتي أدت  في أسوأ حالاتها إلى الواقع المروع الذي كشفته المنظمة الدولية للهجرة عن المهاجرين الأفارقة الذين يباعون كرقيق وخدم. وبما أن النمو السكاني والفشل الاقتصادي يدفعان المهاجرين إلى عدم اتخاذ الحذر وترك منازلهم، فإن النتيجة الحتمية هي اشعال فتيل الشعبوية  في  دول الاستقبال حيث المجتمعات المحلية  تعاني أيضا من مشاكل البطالة والهوية.

ولهذا السبب أضع آمالا كبيرة في اتفاق عالمي للهجرة، من المتوقع اعتماده في نهاية عام 2018 حيث ستتفاوض الدول الأعضاء تحت رعاية الأمم المتحدة بهدف معالجة الهجرة الدولية بطريقة أكثر تفهما في إطار أول اتفاق حكومي مخطط له من نوعه، وإن كان من غير المتوقع أن يتدخل على سيادة الدولة القومية ولا يكون ملزما قانونيا، وربما على وجه التحديد نظرا أيضا لطبيعة الموضوع شديدة الحساسية.

فهناك أرضية مشتركة قائمة على مبدإ أن الهجرة ليست مشكلة يتعين حلها بل واقع إنساني ينبغي إدارته. فإذا توقفنا عن التفكير في القواعد الصارمة والإلزامية التي تمكن أكثر من 8 ملايين رحلة جوية سنويا بما يمكن ما يعادل 44٪ من سكان العالم من الإقلاع والهبوط بأمان، ينبغي أن يكون من الممكن العثور على بعض القواعد المشتركة من أجل السماح لأعداد أكبر بكثير بالسفرو الهجرة والعودة إلى ديارهم بحرية وأمان، نحن بحاجة إلى تقديم الأمل لأولئك الذين يواجهون اليأس الاقتصادي، لتوفير مسارات قانونية لمزيد من المهاجرين و  خيارات للهجرة الدائرية لأولئك الذين يرغبون في العمل والعودة إلى ديارهم ... لأننا إذا لم نتوصل إلى حلول فإن المهربين سوف يقومون بذلك بدلا عنا، بتكلفة كبيرة على حياة الإنسان  و على نسيج مجتمعاتنا.

قد يكمن جزء من الجواب في كوننا نتسرع في المرور على تحديات الادماج و الحكم على معاداة الرأي العام للهجرة كسلوك غير عقلاني أو أسوأ. كما يكمن في تجاهل السياسيين القيم التي تحدد سلوك الأفراد عند تعرضهم للخطر

وفي نفس الوقت، إذا نظرنا إلى الحركات الكبرى و المتواصلة للأفراد على أنها منظمة ومناسبة ومفيدة للجميع لدرجة أنها لا تدعو إلى التعليق، فإننا سنحتاج إلى معرفة كيفية التعامل مع الأغلبية المحرومة من التنقل بسبب ظروف عيشها.

إذ يجد مئات الملايين الذين ليسوا جزأ من سوق المواهب العالمي و المتنامي أنفسهم ينظرون من الخارج إلى عالم لا يمكنهم سوى أن يحلموا به فقط. ويواجهون مصاعب هائلة و فوارق في الدخل أمام غياب فرص الحصول على تأشيرة أو تصريح عمل.

من غير المفاجئ حينئذ أن أمواجا كبرى من المهاجرين الشباب يصعدون على متن "القوارب التي ترشح بالماء" التي أشار إليها الأمين العام حاملين آمالهم وأحلامهم. ومع افتقارهم إلى الفرص الاقتصادية المتفاقم غالبا بسبب تغير المناخ، فإنهم أيضا  أكثر عرضة لنداء عرائس البحر على وسائل التواصل الاجتماعي.

فهناهذه الأيام تقوم شبكات التهريب والمتجرين بالبشر ونخاو العصر الحديث بدعايتهم  في ظل الإفلات التام من العقاب. فتظل هذه الممارسات القاسية  دون رادع بينما يتجه عمالقة وسائل التواصل الاجتماعي نحو الاسثمار في أسواق جديدة في الجنوب العالمي

هذا هو نوع الهجرة التي نراها في نشرات الأخبار، والتي أدت  في أسوأ حالاتها إلى الواقع المروع الذي كشفته المنظمة الدولية للهجرة عن المهاجرين الأفارقة الذين يباعون كرقيق وخدم. وبما أن النمو السكاني والفشل الاقتصادي يدفعان المهاجرين إلى عدم اتخاذ الحذر وترك منازلهم، فإن النتيجة الحتمية هي اشعال فتيل الشعبوية  في  دول الاستقبال حيث المجتمعات المحلية  تعاني أيضا من مشاكل البطالة والهوية.